يومياً تمر أمامنا الأخبار والاحصائيات والأرقام ، نضيفها إلى كتاباتنا ، نستعين بها لإثبات صحة أقوالنا 

جميعها تبدو عادية في ظاهرها، لكن هل سألت مرة كيف نصل الى الفكرة الأعمق من هذه الموضوعات العادية ؟ 

في البداية ما معنى الفكرة الأعمق ؟؟

عمق الفكرة هو شعور داخلي لا يُقال صراحةً، هو القيمة الكبرى وراء شيء معين، السؤال الذي يختبئ خلف الموضوع ويدور في الذات دون أن يظهر بشكل مباشر.

حين أقول الفكرة الأعمق من الموضوع، أنا هنا لا أقصد شئ معقد أو فلسفى،  لكن أنا أقصد طبقة أخري من المعنى لا تتمثل أبداً في الكتابة السطحية أياً ما كان نوع الكتابة أو الجمهور الموجه له 

يعني مثلاً ( موضوع روتين الصباح ) في ظاهره هو موضوع جداً عادي ومكرر، مجرد قائمة مهام ، لكن الفكرة الأعمق منه قد تكون ( علاقتنا بالوقت، زيادة الانتاجية أو محاولة السيطرة على الفوضى وترتيب الأفكار ) … 

هنا تتحول الكتابة من مجرد نصائح عامة أو قائمة مهام ربما لن يمنحها 99% من الأشخاص 5 دقائق من وقتهم لمشاهدتها أو قرأتها، إلى كتابة أعمق وحوار أهم عن علاقة الإنسان بالوقت، و عن خوفه من الفوضى وضياع الأيام.

هنا تختلف الكتابة تماماً.

تحتاج لبحث أكبر وصدق أكثر وعمق في النظر. 

هذا العمق هو ما يميزك ككاتب عن كتّاب آخرين، 

ويميز محتواك عن محتوى الآخرين، مهما كان شكله: مكتوب، مقروء، أو مسموع.

العمق هو ما يحول الكتابة العادية إلى تجربة 

ونحن كبشر لا ننسى التجارب والشعور

لا ننسى الفكرة التى جعلتنا نفكر في أنفسنا وفي واقعنا بطريقة مختلفة 

إذا وصلت إلى هذه النقطة؛ فغالباً أنت متفق معي، 

ويدور في ذهنك الآن سؤال واحد واضح:

كيف نصل إلى الفكرة الأعمق عملياً أثناء الكتابة أو التفكير؟

هناك الكثير من التكنيكات التي تساعدك على ذلك و على مدار حوالي ثماني سنوات من العمل في الكتابة، جرّبت عدداً كبيراً منها، وفي هذا الجزء سأشاركك اثنين أستخدمهما تقريباً يومياً.

أولاً: تقنية 5 Whys 

هذه التقنية بسيطة، لكنها قوية جداً. فكرتها أن لا نتوقف عند أول "لماذا"، نسألها عن أي شئ نكتب عنه ، بل نستمر في السؤال حتى نقترب من عمق الموضوع أو جوهر الفكرة .

أعطيك مثال من كتاباتي الحالية في ريادة الأعمال والتجارة الالكترونية 

افترض أن أمامى إحصائية الآن تقول:

"70% من الموظفين يشعرون بالإرهاق في نهاية الأسبوع."

لو تعاملت معها بسطحية، سأذكر الأسباب المعتادة للإرهاق مثل: ضغط العمل، كثرة الاجتماعات، قلة النوم… ثم أقدّم نصائح لرواد الأعمال للتعامل مع الموظفين المرهقين، غالباً لن يكونوا متحمسين لسماعها لأنها تشبه ما يسمعونه دائماً.

لكن لو استخدمت ال 5 Whys، تفكيري هنا في الكتابة سيختلف تماماً 

لماذا الأولى (لماذا يشعرون بالإرهاق؟) 

لأن ساعات العمل طويلة، والمهام أكثر من طاقتهم الحقيقية.

لماذا الثانية (لماذا ساعات العمل طويلة والمهام أكثر من طاقتهم؟)

لأن ثقافة الشركات تمجد الانشغال المستمر، وتكافئ من يعمل أكثر، لا من يعمل أفضل.

لماذا الثالثة (لماذا نمجد الانشغال المستمر؟)

لأننا نربط قيمة الإنسان بقدر ما ينجز، لا بقدر ما يعيش أو يرتاح.

لماذا الرابعة (لماذا نربط القيمة بالإنجاز؟)

لأننا نخاف أن نُرى "غير مهمين" أو "غير ناجحين" إن توقّفنا عن الإنتاج للحظة.

لماذا الخامسة (لماذا نخاف من هذا؟) 

لأن صورة النجاح في أذهاننا تشكلت حول الحركة الدائمة، والعمل المستمر، والجدول الممتلئ، حتى أصبحت الراحة علامة على الكسل أو الفشل، لا حقاً إنسانياً طبيعياً.

عند هذه المرحلة، يتحول المقال من مجرد وصف "إرهاق الموظفين" إلى حديث عن "ثقافة عمل لدى رواد الأعمال تعتبر الراحة علامة ضعف بدلاً من أن تراها ضرورة لاستمرار الأداء الجيد وتوليد أفكار أرتب ".

الإحصائية لم تتغير، لكنها لم تعد مجرد رقم في المقال، أصبحت فكرة أعمق عن علاقتنا بالنجاح والراحة.

لذلك كل مرة تكتب جملة تلمس شيئًا حقيقيًا داخلك، فأنت تقترب من الفكرة الأعمق التي تستحق أن نبنى عليها كتابات أكثر

ثانياً: تقنية التكبير والتصغير (Zoom In – Zoom Out)

من أكثر التكنيكات التي أحبها للوصول إلى أفكار عميقة، لأنها تحول الموضوعات العادية إلى مشاهد وحكايات وصور، وتربط التفاصيل الصغيرة بالفكرة الكبرى. 

التكبير (Zoom In): الدخول في التفاصيل الصغيرة:

تبدأ بتفصيلة صغيرة: خبر، رقم، شعور، حركة… أي شيء بسيط.

هذه التفاصيل هي بوابة الدخول للفكرة الأعمق؛ تجعل القارئ يعيش التجربة، لا يقرأ عنها فقط.

 التصغير (Zoom Out): تكوين المشهد الكبير:

بعدها تجمع التفاصيل الصغيرة لتكوّن مشهدًا أكبر، وترى الصورة كاملة:

كيف ترتبط هذه اللحظة بموضوع أوسع؟

لفهم المعنى الأكبر خلف اللحظات في المشاهد الصغيرة 

استخدم هذا التكنيك يومياً تقريباً في كتاباتي،  وهو ما كتبت به حلقة كاملة للدكتور سهل مهدى عن الدمية لابوبو 

بدأت من مشهد واحد (Zoom In): خبر عن تحوّل صاحب الشركة إلى ملياردير خلال 24 ساعة.

ثم حوّلت كل الأحداث منذ لحظة التفكير في طرح الدمية إلى مشاهد صغيرة، أراقب فيها التفاصيل والأسباب، حتى تكوّن المشهد الكبير (Zoom Out): نجاح ساحق للعبة عادية جداً كانت تُباع بـ16 دولاراً، ثم تجاوز سعرها 400 دولار.

بهذا التكنيك، حولت خبر اقتصادي عادي إلى قصة عن كيف تُصنع الثروات، وكيف تتشكل رغبة الناس، وكيف تتحول فكرة بسيطة إلى نجاح استثنائي.

بالمناسبة الحلقة بعنوان ( ملياردير في ليلة واحدة )  إذا كنت تريد مشاهدتها على يوتيوب

الخلاصة كل مرة  وأنت تبحث للكتابة، و تتوقف أمام رقم أو خبر أو تجربة عادية، وتسأل "لماذا؟"، فأنت تخطو أول خطوة نحو الفكرة الأعمق التي تصنع من كتاباتك تجربة لا تُنسى.